كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{لواحةٌ لِلْبشرِ (29)}
قوله: {لواحةٌ}: قرأ العامّةُ بالرفع خبر مبتدأ مضمر، أي: هي لواحةٌ. وهذه مُقوِّيةٌ للاستئنافِ في {لا تُبْقي}. وقرأ الحسن وابنُ أبي عبلة وزيدُ بن علي وعطيةُ العوْفي بنصْبِها على الحال، وفيها ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنها حالٌ مِنْ {سقرُ} والعاملُ معنى التعظيمِ كما تقدّم.
والثاني: أنها حالٌ مِنْ {لا تُبْقي}.
والثالث: مِنْ {لا تذرُ}. وجعل الزمخشري نصْبها على الاختصاصِ للتهويل، وجعلها الشيخ حالا مؤكدة قال: لأنّ النار التي لا تُبْقي ولا تذرُ لا تكونُ إلاّ مُغيِّرة للإِبشارِ. {ولواحةٌ} بناءُ مبالغةٍ، وفيها معنيان:
أحدهما: مِنْ لاح يلوح، أي: ظهر، أي: إنها تظهر للبشرِ وهم الناسُ، وإليه ذهب الحسن وابن كيْسان.
والثاني:- وإليه ذهب جمهورُ الناس أنها مِنْ لوحه، أي: غيّره وسوّده. قال الشاعر:
وتعجبُ هندٌ أنْ رأتْنِي شاحبا ** تقول: لشيءٌ لوحتْه السّمائِمُ

ويقال: لاحه يلوحه: إذا غيّر حِلْيتيْه، وأُنْشِد:
تقول: ما لاحك يا مسافِرُ ** يا بنة عمِّي لاحني الهواجِرُ

وقيل: اللوحُ شِدّةُ العطشِ. يقال: لاحه العطش ولوحه، أي: غيّره، وأُنْشدِ:
سقتْني على لوحٍ مِنْ الماءِ شرْبة ** سقاها به اللّهُ الرِّهام الغواديا

واللوحُ بالضمِّ: الهواءُ بين السماءِ والأرضِ، والبشرُ: إمّا جمْعُ بشرة، أي: مُغيِّرة للجُلود، وإمّا المُرادُ به الإِنْسُ واللامُ في {للبشرِ} مُقوِّيةٌ كهي في {لِلرُّؤْيا تعْبُرُون} [يوسف: 43]، وقراءة النصبِ في {لواحة} مقوِّيةٌ لكونِ {لا تُبْقي} في محلّ الحالِ.
{عليْها تِسْعة عشر (30)}
قوله: {عليْها تِسْعة عشر}: هذه الجملة فيها وجهان أعني: الحالية والاستئناف وفي هذه الكلمةِ قراءات شاذةٌ، وتوجيهاتٌ تُشاكِلُها. وقرأ أبو جعفر وطلحةُ {تسعة عْشر} بسكون العين مِنْ {عشر} تخفيفا لتوالي خمسِ حركاتٍ مِنْ جنسٍ واحدٍ وهذه كقراءة {أحد عشر كوْكبا} [يوسف: 4]، وقد تقدّمتْ.
وقرأ أنسٌ وابنُ عباس {تسعةُ} بضمِّ التاء، {عشر} بالفتح، وهذه حركةُ بناءٍ، ولا يجوزُ أنْ يُتوهّم كونُها إعرابا؛ إذا لو كانتْ للإِعرابِ لجُعِلتْ في الاسمِ الأخيرِ لِتنزُّلِ الكلمتيْن منزلة الكلمةِ الواحدةِ، وإنما عُدِل إلى الضمة كراهة توالي خمسِ حركاتٍ. وعن المهدويِّ. منْ قرأ {تسعةُ عشر} فكأنه من التداخُلِ كأنه أراد العطف فترك التركيب ورفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء وأسكن.انتهى. فجعل الحركة للإِعرابِ. ويعني بقوله (أسكن)، أي: أسكن راء {عشر} فإنه هذ القراءة كذلك.
وعن أنس أيضا {تسعةُ أعْشُر} بضم {تسعةُ} وأعْشُر بهمزةٍ مفتوحةٍ ثم عينٍ ساكنةٍ ثم شين مضمومة. وفيها وجهان، قال أبو الفضل: يجوزُ أنْ يكون جمع العشرة على أعْشُر ثم أجراه مُجْرى تسعة عشر. وقال الزمخشري: جمع عشير، مثل يمين وأيْمُن. وعن أنسٍ أيضا {تسعةُ وعْشُر} بضم التاءِ وسكونِ العينِ وضمِّ الشين ووأو مفتوحةٍ بدل الهمزةِ. وتخريجُها كتخريجِ ما قبلها، إلاّ أنّه قلب الهمزة وأوا مبالغة في التخفيفِ، والضمةُ كما تقدّم للبناءِ لا للإِعرابِ. ونقل المهدويُّ أنه قرئ {تسعةُ وعشرْ} قال: فجاء به على الأصلِ قبل التركِيبِ وعطف {عشرا على تسعة} وحذف التنوين لكثرةِ الاستعمالِ، وسكّن الراء مِنْ عشر على نيةِ الوقفِ.
وقرأ سليمان بن قتة بضمِّ التاءِ، وهمزةٍ مفتوحةٍ، وسكونِ العين، وضم الشين وجرِّ الراءِ مِنْ أعْشُرٍ، والضمةُ على هذا ضمةُ إعرابٍ، لأنه أضاف الاسم لِما بعده، فأعربهما إعراب المتضايفيْنِ، وهي لغةٌ لبعضِ العربِ يفُك‍ُّون تركيب الأعدادِ ويُعْرِبُونهما كالمتضايفيْنِ كقول الراجز:
كُلِّف مِنْ عنائِه وشِقْوتِهْ ** بنت ثماني عشْرةٍ مِنْ حجّتِهْ

قال أبو الفضل: ويُخْبرُ على هذه القرأةِ وهي قراءة منْ قرأ {أعْشُر} مبنيا أو معربا من حيث هو جمعٌ أنّ الملائكة الذين هم على سقر تسعون ملكا.
{وما جعلْنا أصْحاب النّارِ إِلّا ملائِكة}
قوله: {إِلاّ فِتْنة}: مفعولٌ ثانٍ على حذفِ مضافٍ، أي: إلاّ سبب فتنةٍ، و{للذين} صفةٌ ل {فِتْنة} وليستْ {فتنة} مفعولا له.
قوله: {لِيسْتيْقِن الذين} متعلِّقٌ ب {جعلْنا} لا ب {فتنة}. وقيل: بفعلٍ مضمرٍ، أي: فعلْنا ذلك ليسْتيْقِن. وللزمخشري هنا كلامٌ متعلِّقٌ بالإِعرابِ ليجُرّه إلى غرضِه مِنْ الاعتزال.
قوله: {كذلِك} نعتٌ لمصدرٍ أو حالٍ منه على ما عُرِف غير مرةٍ. و(ذلك) إشارةٌ إلى ما تقدّم مِنْ الإِضلالِ والهدى، أي: مثل ذلك الإِضلالِ والهدى يُضِلُّ ويهْدي. و{مثلا} تمييزا أو حالٌ. وتسميةُ هذا مثلا على سبيل الاستعارةِ لغرابتِه.
قوله: {جُنُود ربِّك} مفعولٌ واجبُ التقديمِ لحصْرِ فاعلِه، ولعوْدِ الضميرِ على ما اتّصل بالمفعول.
قوله: {وما هِي} يجوزُ أنْ يعود الضميرُ على {سقر}، أي: وما سقرُ إلاّ تذكرةٌ. وأنْ يعود على الآياتِ المذكورةِ فيها، أو النارِ لتقدُّمِها أو الجنودِ، أو نارِ الدنيا، وإن لم يجْرِ لها ذِكْرٌ أو العُدّة. و{للبشر} مفعولٌ ب {ذِكْرى} واللامُ فيه مزيدةٌ.
واللّيْلِ إِذْ أدْبر (33) والصُّبْحِ إِذا أسْفر (34)
قوله: {إِذْ أدْبر}: قرأ نافعٌ وحمزةُ وحفصٌ {إذ} ظرفا لِما مضى مِنْ الزمانِ، {أدْبر} بزنةِ أكْرم. والباقون {إذا} ظرفا لِما يُسْتقبل، {دبر} بزنةِ ضرب، والرسمُ محتملٌ لكلتيْهما، فالصورةُ الخطيّةُ لا تختلفُ. واختار أبو عبيد قراءة {إذا} قال: لأنّ بعده {إذا أسْفر} قال: وكذلك هي في حرفِ عبدِ الله. قلت: يعني أنّه مكتوبٌ بألفيْنِ بعد الذالِ أحدُهما ألفُ {إذا} والأخرى همزةُ {أدْبر}. واختار ابنُ عباس أيضا {إذا} ويُحْكى أنّه لمّا سمِع {أدْبر} قال: (إنما يُدْبِر ظهرُ البعير).
واختلفوا: هل دبر وأدْبر، بمعنى أم لا؟ فقيل: هما بمعنى واحدٍ يقال: دبر الليلُ والنهارُ وأدْبر، وقبل وأقْبل. ومنه قولهم (أمسٌ الدابرُ) فهذا مِنْ دبر، وأمسٌ المُدْبر قال:
................................ ** ذهبوا كأمس الدابِر

وأمّا أدْبر الراكبُ وأقْبل فرباعيٌّ لا غيرُ. هذا قول الفراء والزجاج. وقال يونس: دبر انقضى، وأدْبر تولّى ففرّق بينهما. وقال الزمخشري: ودبر بمعنى أدْبر كقبل بمعنى أقْبل. قيل: ومنه صاروا كأمسٍ الدابرِ، وقيل: هو من دبر الليلُ النهار إذا خلفه.
وقرأ العامّةُ {أسْفر} بالألف، وعيسى بنُ الفضل وابن السّميْفع {سفر} ثلاثيا. والمعنى: طرح الظلمة عن وجهِه، على وجهِ الاستعارةِ.
{إِنّها لإِحْدى الْكُبرِ (35)}
قوله: {إِنّها}: أي: إنّ النار. وقيل: إنّ قيام الساعةِ كذا حكاه الشيخ، وفيه شيئان: عوْدُه على غير مذكورٍ، وكونُ المضافِ اكتسب تأنيثا. وقيل: إن النِّذارة. وقيل: هي ضميرُ القصةِ. وقرأ العامّةُ {لإِحْدى} بهمزةٍ مفتوحةٍ، وأصلُها وأو، من الوحْدة. وقرأ نصرُ بنُ عاصمٍ وابنُ محيصن، وتُرْوى عن ابنِ كثيرٍ {لحْدى} بحذفِ الهمزةِ، وهذا من الشُّذوذِ بحيثُ لا يُقاسُ عليه. وتوجيهُه: أنْ يكون أبْدلها ألفا، ثم حُذِفتِ الألفُ لالتقاءِ الساكنيْن، وقياسُ تخفيفِ مثلِ هذه بينها وبين الألفِ. ومعنى {إحْدى الكُبرِ}، أي: إحْدى الدّواهي قال:
يا بن المُعلّى نزلتْ إحدى الكُبرْ ** داهيةُ الدهرِ وصمّاءُ الغِيرْ

ومثلُه: هو أحدُ الرجالِ وهي إحدى النساءِ لِمنْ يسْتعظمونه. والكُبرُ: جمعُ كُبْرى كالفُضل جمع فُضْلى. وقال ابن عطية: (جمع كبيرة) وأظنُّه وهما عليه. وفي هذه الجملة وجهان، أحدُهما: أنها جوابُ القسمِ في قوله: {والقمرِ}. والثاني: أنها تعليلٌ ل {كلاّ} والقسمٌ معترضٌ للتوكيدِ، قاله الزمخشري. قلت: وحينئذٍ فيحتاجُ إلى تقديرِ جوابٍ، وفيه تكلُّفٌ وخروجٌ عن الظاهر.
{نذِيرا لِلْبشرِ (36)}
قوله: {نذِيرا}: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه تمييزٌ عن {إحدى}، كمّا ضُمِّنتْ معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكُبر إنذارا، ف {نذير} بمعنى الإِنذارِ كالنّكير بمعنى الإِنكار، ومثلُه (هي إحدى النساءِ عفافا). الثاني: أنه مصدرٌ بمعنى الإِنذار أيضا، ولكنه نُصِب بفعلِ مقدّرٍ، قاله الفراء. الثالث: أنه فعيلٌ بمعنى مُفْعِل، وهو حالٌ من الضميرِ في {إنّها} قاله الزجاج. الرابع: أنه حالٌ من الضمير في {إحدى} لتأولها بمعنى العظيم. الخامس: أنّه حالٌ من فاعلِ {قم} أول السورةِ. السادس: أنّه مصدرٌ منصوبٌ ب أنْذِرْ أول السورةِ. السابع: هو حالٌ مِنْ {الكُبر}. الثامن: حالٌ من ضميرِ {الكُبر}. التاسع: هو حالٌ مِنْ {لإِحدى}، قاله ابن عطية. العاشر: أنّه منصوبٌ بإضمار أعْني. الحادي عشر: أنّه منصوبٌ ب ادْعُ مُقدّرا؛ إذ المُراد به اللّهُ تعالى. الثاني عشر: أنّه منصوبٌ بـ: نادِ أو بـ: بلِّغ؛ إذ المرادُ به الرسولُ صلى الله عليه وسلم. الثالث عشر: أنه منصوبٌ بما دلّتْ عليه الجملة، تقديره: عظُمْت نذيرا. الرابع عشر: هو حالٌ من الضميرِ في {الكُبرِ}. الخامس عشر: أنها حالٌ مِنْ {هو} في قوله: {وما يعلمُ جنود ربِّك إلاّ هو}. السادس عشر: أنها مفعولٌ مِنْ أجلِه، الناصبُ لها ما في {الكُبر}، مِنْ معنى الفعل. قال أبو البقاء: (أو إنّها لإِحدى الكُبر لإِنذارِ البشر) فظاهرُ هذا أنه مفعولٌ مِنْ أجلِه. وفيه بُعْدٌ وإذا جُعِلتْ حالا مِنْ مؤنثٍ فإنّما لم تُؤنّثْ لأنّها بمعنى ذاتِ إنذارٍ على معنى النّسب. قال معناه أبو جعفر.
والنصبُ قراءة العامّةِ، وابن أبي عبلة وأُبيُّ بنُ كعبٍ بالرفع. فإنْ كان المرادُ النار جاز لك وجهان: أنْ يكون خبرا بعد خبر، وأنْ يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هي نذيرٌ، والتذكيرُ لِما تقدّم مِنْ معنى النّسبِ، وإنْ كان المرادُ الباري تعالى أو رسوله عليه السلام كان على خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هو نذيرٌ. {وللبشر} إمّا صفةٌ. وإمّأ مفعولٌ لنذير، واللامُ مزيدةٌ لتقويةِ العامل.
{لِمنْ شاء مِنْكُمْ أنْ يتقدّم أو يتأخّر (37)}
قوله: {لِمن شاء}: فيه وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ من {للبشر} بإعادة العامل كقوله: {لِمن يكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ} [الزخرف: 33] و{لِلّذِين استضعفوا لِمنْ آمن} [الأعراف: 75]. وأنْ يتقدّم مفعولُ {شاء}، أي: نذيرٌ لمنْ شاء التقدُّم أو التأخُّر، وفيه ذُكِر مفعولُ {شاء} وقد تقدّم أنّه لا يُذْكرُ إلاّ إذا كان فيه غرابةٌ. والثاني: وإليه نحا الزمخشري وبه بدأ أنْ يكون {لمنْ شاء} خبرا مقدّما، و{أنْ يتقدّم} مبتدأ مؤخرا قال: كقولك: لِمنْ توضّأ أنْ يُصلِّي، ومعناه مطلقٌ لمنْ شاء التقدُّم أو التأخُّر أنْ يتقدّم أو يتأخّر. انتهى. فقوله (التقدُّم والتأخُّر) هو مفعولُ {شاء} المقدّرِ، وقوله: {أنْ يتقدّم} هو المبتدأ. قال الشيخ: وهو معنى لا يتبادرٌ الذِّهْنُ إليه وفيه حذْفٌ.
{كُلُّ نفْسٍ بِما كسبتْ رهِينةٌ (38)}
قوله: {رهِينةٌ}: فيه أوجهٌ، أحدها: أنّ {رهينة} بمعنى (رهْن) كالشتيمة بمعنى الشّتْم. قال الزمخشري: ليستْ بتأنيثِ (رهين) في قوله: {كلُّ امرئ} لتأنيثِ النفسِ؛ لأنّه لو قُصِدتِ الصفةُ لقيل: (رِهين)؛ لأنّ فعيلا بمعنى مفْعول يسْتوي فيه المذكرُ والمؤنثُ، وإنما هي اسمٌ بمعنى الرّهْن كالشّتيمة بمعنى الشّتْم، كأنه قيل: كلُّ نفسٍ بما كسبتْ رهْنٌ، ومنه بيتُ الحماسة:
أبعد الذي بالنّعْفِ نعْفِ كُويْكِبٍ ** رهينةٍ رمْسٍ ذي تُرابٍ وجنْدلِ

كأنه قال: رهْنِ رمْسٍ. الثاني: أنّ الهاء للمبالغةِ. والثالث: أنّ التأنيث لأجلِ اللفظ. واختار الشيخُ أنّها بمعنى مفْعول وأنها كالنّطيحة. قال: ويدُلُّ على ذلك: أنّه لمّا كان خبرا عن المذكر كان بغيرِ هاءٍ، قال تعالى: {كُلُّ امرئ بِما كسب رهينٌ} [الطور: 21] فأنت ترى حيث كان خبرا عن المذكر أتى بغيرِ تاءٍ، وحيث كان خبرا عن المؤنثٍ أتى بالتاء. فأمّا الذي في البيت فأُنِّث على معنى النفس.
{إِلّا أصْحاب الْيمِينِ (39)}
قوله: {إِلاّ أصْحاب اليمين}: فيه وجهان، أحدُهما: أنها استثناءٌ متصلٌ؛ إذ المرادُ بهم المسلمون الخالِصون الصالحون. والثاني: أنه منقطعٌ؛ إذ المرادُ بهم الأطفالُ أو الملائكةُ.
{فِي جنّاتٍ يتساءلون (40)}
قوله: {فِي جنّاتٍ}: يجوزُ أنْ يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جناتٍ، وأن يكون حالا مِنْ {أصحاب اليمين}، وأنْ يكون حالا من فاعل {يتساءلون} ذكرهما أبو البقاء. ويجوزُ أنْ يكون ظرفا ل {يتساءلون} وهو أظهرُ من الحالية مِنْ فاعِله. و{يتساءلون} يجوزُ أنْ يكون على بابِه، أي: يسْألون غيرهم، نحو: دعوْتُه وتداعيْتُه.
{قالوا لمْ نكُ مِن الْمُصلِّين (43)}
قوله: {لمْ نكُ مِن المصلين}: هذا هو الدالُّ على فاعلِ سلكنا كذا الواقعِ جوابا لقول المؤمنين لهم: ما سلككم؟ التقدير: سلكنا عدمُ صلاتِنا وكذا وكذا. وقال أبو البقاء: هذه الجملة سدّتْ مسدّ الفاعلِ وهو جوابُ {ما سلككم} ومرادُه ما قدّمْتُه. وإنْ كان في عبارتِه عُسْرٌ.
وأدغم أبو عمرو{سلككم} وهو نظيرُ {مّناسِككُمْ} [البقرة: 200] وقد تقدّم ذلك في البقرة. وقوله: {ما سلككُم} يجوزُ أنْ يكون على إضمار القول، وذلك القول في موضع الحال، أي: يتساءلون عنهم، قائلين لهم: ما سلككم؟ وقال الزمخشري: فإنْ قلت: كيف طابق قوله: {ما سلككُمْ} وهو سؤالُ المجرمين قوله: {يتساءلون عن المجرمين} وهو سؤالٌ عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين ما سلككم؟ قلت: قوله: {ما سلككم} ليس ببيانٍ للتساؤلِ عنهم، وإنما هي حكايةُ قول المسؤولين عنهم؛ لأن المسؤولين يُلْقُون إلى السّائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون: قلنا لهم ما سلككم؟
{فما تنْفعُهُمْ شفاعةُ الشّافِعِين (48)}
قوله: {فما تنفعُهُمْ شفاعةُ}: كقوله:
على لاحِبٍ لا يُهْتدى بمنارِه

في أحدِ وجهيْه، أي: لا شفاعة لهم، فلا انتفاع بها، وليس المرادُ أنّ ثمّ شفاعة غير نافعةٍ كقوله: {ولا يشْفعُون إِلاّ لِمنِ ارتضى} [الأنبياء: 28].
{فما لهُمْ عنِ التّذْكِرةِ مُعْرِضِين (49)}
قوله: {مُعْرِضِين}: حالٌ من الضمير في الجارِّ الواقع خبرا عن (ما) الاستفهاميةِ، وقد تقدّم أنّ مِثْل هذه الحالِ تُسمّى حالا لازِمة وقد تقدّم فيها بحثٌ حسنٌ. {وعن التذكرة} متعلِّقٌ به.
{كأنّهُمْ حُمُرٌ مُسْتنْفِرةٌ (50)}
قوله: {كأنّهُمْ} هذه الجملة يجوزُ أنْ تكون حالا من الضمير في الجارِّ، وتكون بدلا مِنْ {مُعْرِضِيْن} قاله أبو البقاء، يعني أنّها كالمشتملة عيلها، وأنْ تكون حالا من الضميرِ في {مُعْرِضِين}، فتكون حالا متداخلة.
وقرأ العامّةُ {حُمُرٌ} بضمِّ الميم، والأعمش بإسكانِها. وقرأ نافعٌ وابنُ عامر بفتح الفاء مِنْ {مُسْتنْفرة} على أنه اسمُ مفعولٍ، أي: نفّرها القُنّاص. والباقون بالكسرِ بمعنى: نافِرة: يُقال: استنفر ونفر بمعنى نحو: عجِب واستعجب، وسخِر واسْتسْخر. قال الشاعر:
أمْسِكْ حِمارك إنّه مُسْتنْفِرُ ** في إثْرِ أحْمِرةٍ عمدْن لغُرّبِ

وقال الزمخشري: كأنها تطلُبُ النِّفار مِنْ نفوسِها في جمْعِها له وحمْلِها عليه. انتهى. فأبقى السين على بابِها من الطّلبِ، وهو معنى حسن.
ورجّح بعضُهم الكسر لقوله: {فرّتْ} للتناسُبِ. وحكى محمدُ ابنُ سلاّم قال: سألتُ أبا سوّار الغنويّ وكان عربيا فصيحا، فقلت: كأنهم حُمُرٌ ماذا؟ فقال: مُسْتنْفرة طردها قسْورة. فقلت: إنما هو{فرّتْ مِن قسْورةٍ} فقال: أفرّتْ؟ قلت: نعم. قال: فـ: {مُسْتنْفِرة} إذن. انتهى. يعني أنها مع قوله (طردها) تُناسِبُ الفتح لأنّها اسمُ مفعولٍ فلما أُخْبر بأنّ التلأوة {فرّتْ مِن قسْورة} رجع إلى الكسرِ للتناسُبِ، إلاّ أن بمثلِ هذه الحكاية لا تُردُّ القراءة المتواترةُ.
والقسْورةُ: قيل: الصائِدُ. وقيل: ظلمةُ الليل. وقيل: الأسد، ومنه قول الشاعر:
مُضمّرٌ تحْذرُه الأبطالُ ** كأنه القسْورةُ الرِّئْبالُ

أي: الأسد، إلاّ إنّ ابن عباس أنكره، وقال: لا أعرفُ القسْورة: الأسد في لغة العرب، وإنما القسْورةُ: عصبُ الرجال، وأنشد:
يا بنتُ، كثوني خيْرة لخيِّرهْ ** أخوالُها الجِنُّ وأهلُ القسْورهْ

وقيل: هم الرُّماةُ، وأنشدوا للبيد بن ربيعة:
إذا ما هتفْنا هتْفة في ندِيِّنا ** أتانا الرجالُ العانِدون القسأورُ

والجملة مِنْ قوله: {فرّتْ} يجوزُ أنْ تكون صفة ل {حُمُر} مثل {مُسْتنْفرة}، وأنْ تكون حالا، قاله أبو البقاء.
{بلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أنْ يُؤْتى صُحُفا مُنشّرة (52)}
قوله: {مُّنشّرة}: العامّةُ على التشديد مِنْ (نشّره) بالتضعيف. وابن جبير {مُنْشرة} بالتخفيف. ونشر وأنْشر مثل: نزل وأنْزل. والعامّةُ أيضا على ضمِّ الحاءِ مِنْ {صُحُف}، وابن جبير على تكسينها، قال الشيخ: والمحفوظ في الصحيفة والثوب نشر مخففا ثلاثيا. قلت: وهذا مردودٌ بالقرآن المتواتر. وقال أبو البقاء في قراءة ابن جُبير: مِنْ أنْشرْتُ: إمّا بمعنى أمر بنشْرِها مثل: (ألْحمْتُك عِرْض فلانٍ)، أو بمعنى منْشورة مثل: أحْمدْتُ الرجل أو بمعنى: أنْشر اللّهُ الميِّت، أي: أحياه، فكأنه أحيا ما فيها بذكْرِه.
{وما يذْكُرُون إِلّا أنْ يشاء اللّهُ هو أهْلُ التّقْوى وأهْلُ الْمغْفِرةِ (56)}
قوله: {وما يذْكُرُون}: قرأ نافعٌ بالخطاب، وهو التفاتٌ من الغيْبة إلى الخطاب، والباقون بالغيْبة حملا على ما تقدّم مِنْ قوله: {كُلُّ امرئ مِّنْهُمْ} [المدثر: 52] ولم يُؤْثِروا الالتفات، والهاءُ في {إنّه} للقرآن أو للوعيد.
قوله: {إِلاّ أن يشاء} بمعنى: إلاّ وقت مشيئتِه لا على أنّ (أن) تنوبُ عن الزمانِ بل على حذْفِ مضاف. اهـ.